القرطبي
34
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بيانها ، فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية ، والآراء الفاسدة الباطلية . واختلف في معنى " بهيمة الأنعام " والبهيمة اسم لكل ذي أربع ، سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها ، ومنه باب مبهم أي مغلق ، وليل بهيم ، وبهمة للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له . و " الانعام " : الإبل والبقر والغنم ، سميت بذلك للين مشيها ( 1 ) ، قال الله تعالى : " والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع " [ النحل : 5 ] إلى قوله : " وتحمل أثقالكم " [ النحل : 7 ] ( 2 ) ، وقال تعالى : " ومن الانعام حمولة وفرشا " ( 3 ) [ الانعام : 142 ] يعني كبارا وصغارا ، ثم بينها فقال : " ثمانية أزواج " [ الانعام : 143 ] إلى قوله : " أم كنتم شهداء " [ البقرة : 133 ] وقال تعالى : " وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها " ( 2 ) [ النحل : 80 ] يعني الغنم " وأوبارها " يعني الإبل " وأشعارها " يعني المعز ، فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم الانعام لهذه الأجناس ، الإبل والبقر والغنم ، وهو قول ابن عباس والحسن . قال الهروي : وإذا قيل النعم فهو الإبل خاصة . وقال الطبري : وقال قوم " بهيمة الأنعام " وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك . وذكره غير الطبري عن السدي والربيع وقتادة والضحاك ، كأنه قال : أحلت لكم الانعام ، فأضيف الجنس إلى أخص منه . قال ابن عطية : وهذا قول حسن ، وذلك أن الانعام هي الثمانية الأزواج ، وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها ، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الانعام ، فبهيمة الانعام هي الراعي من ذوات الأربع . قلت : فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك ، لان الله تعالى قال : " والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع " [ النحل : 5 ] ثم عطف عليها قوله : " والخيل والبغال والحمير " [ النحل : 8 ] فلما استأنف ذكرها وعطفها على الانعام دل على أنها ليست منها ، والله أعلم وقيل : " بهيمة الأنعام " ما لم يكن صيدا ، لان الصيد يسمى وحشا لا بهيمة ، وهذا راجع إلى القول الأول . وروى عن عبد الله بن عمر أنه قال : " بهيمة الأنعام " الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات ، فهي تؤكل دون ذكاة ، وقاله ابن عباس وفيه بعد ،
--> ( 1 ) في مفردات الراغب : أن تسمية الإبل بذلك لأنها عندهم أعظم نعمة . ولا يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل . ( 2 ) راجع ج 10 ص 68 . وص 152 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 111 .